ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
57
الوشى المرقوم في حل المنظوم
والراجح أن أساس المشكلة يكمن في أن الأفضل لما استقر له الملك « بعث بهدايا سنية إلى باب الخليفة الناصر ، من ذلك سلاح أبيه وحصانه الذي كان يحضر عليه الغزوات ، ومنها صليب الصلبوت الذي استلبه أبوه من الفرنج يوم حطين ، وفيه من الذهب ما ينيف على عشرين رطلا مرصعا بالجواهر النفيسة ، وأربع جوار من بنات ملوك الفرنج . وأنشأ له العماد الكاتب كتابا حافلا يذكر فيه التعزية بأبيه ، والسؤال من الخليفة أن يكون في الملك من بعده ، فأجيب إلى ذلك » « 1 » . لقد كانت هذه الاستجابة مدعاة أساسية لحدوث الصراع داخل البيت الأيوبي حتى تتحدد شخصية من سيخلف السلطان صلاح الدين في مملكته ، أما وقد حسمها الأفضل سياسيا مع الخليفة العباسي في بغداد ، فإن المواجهة العسكرية والدهاء هما العاملان الأساسيان في توضيح الموقف . من هنا لا بد أن يظهر كل واحد منهم مدى قوته وقدرته على الاحتفاظ بما تحت يده . وانحصر الصراع المعلن بين الأفضل والعزيز ، لكن كانت هناك صورة أخرى لهذا الصراع ، تمثلت في دهاء العادل صاحب الدور الأكبر مع أخيه السلطان في تثبيت أركان البيت الأيوبي . يرى الأفضل أنه أكبر أبناء السلطان ، وهو الأولى بمكان أبيه ليحكم أرجاء السلطنة من خلال كرسي حكمه في دمشق التي حكم أبوه دولته منها سنوات عديدة . والواضح أن العزيز كان مقتنعا بأن من يحكم مصر يكون أولى بسدة الحكم من غيره . لذا اتخذ ابن الأثير وما يفعله ذريعة لإقصاء الأفضل عن دمشق ، ولا نستبعد أن يكون تشويه صورة الأفضل - ووصفه بأمور لا تليق بابن السلطان صلاح الدين - متعمدا ؛ حتى لا يلام العزيز في ما سيفعله مع أخيه . سواء جاء هذا اللوم من داخل البيت الأيوبي ، أو من خارجه . لذلك جهز العزيز جيوشه ، وحاصر دمشق ، فتخوف المجتمعون بها أن يملك دولة أبيه فاتفقوا « على حفظها علما منهم أن العزيز إن ملكها أخذ بلادهم فلما رأى العزيز اجتماعهم علم أنه لا قدرة له على البلد فترددت الرسل حينئذ في الصلح . . » « 2 » .
--> ( 1 ) البداية والنهاية 13 / 8 . ( 2 ) الكامل 10 / 234 .